الثلاثاء، 21 نوفمبر، 2006

"ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا..بل أحياء عند ربهم يرزقون" (قصة قصيرة)

من مكمنه..خلف أكياس الرمل..



رقد الشاب محمد على بطنه..حاملا تلك البندقية التي كان أبوه المرحوم يستخدمها في الصيد..

عجبا...

أتقتنص هذه البندقية ذاك الجندي اليهودي الضخم كما كانت تقتنص الطيور؟؟

ذاك الجندي الذي قتل أباه وأخويه وجارته..


حبيبته حنان..جارته الصغيرة ذات الأربع عشر ربيعا..



التي حلم دوما أن يكبر ليتزوجها ويأخذها إلى عالمه..

ينتمي معها إلى عالم الحب..

أن يعيشا سعداء في وطن حر..

هذا حلمه..الذي دمره اليهودي حين فجر منزلها فرحلت بلا عودة...

ماتت حنان...

وكل من أحبه محمد..رحل...مات....

تفجر في أعماقه بركان الألم والغضب والإنتقام والحرقة على دينه المنتهك..

فعكف على مراقبة ذلك الجندي اليهودي كل يوم..



وصار جل همه أن يبحث عن ثغره في سد حمايته يعبر منها إليه ويهاجمه عبرها..

ولينتقم لدينه!!

تنهد تنهيدة تحمل حرقة صدره..قلبه الصغير..الذي نشأت براعمه على سقي الألم..ورؤية حرمات الله تنتهك

ما لا يحتمله !! هو رؤية الرؤوس قد انخفضت ذلا لعدو الله


أن يحب..ويهب قلبه وفي لمح البصر يفقد من أحب...وما أحب...ومعتنقه من الدين الذي أحب....!!

وتتسع مساحات الألم في صدره..

صدر ذاك الشاب..الذي حقيقة نبالغ لو وصفناه بالشاب!

ستدرك ذلك حين تعرف عمره الذي لم يتجاوز السادسة عشر..ستدرك أنه طفل..طفل لأن يحمل هذه البندقية على كتفه..

طفل لأن يحمل هذا الألم في صدره..طفل لأن تستعر نار الإنتقام في أعماقه..لكنه غير صغير على نار حبه لدينه والذي يدفعه لرمي مشاعره بعيدا والإتجاه نحو الشهادة...مبتغى كل مسلم حقيقي الإسلام!!

إنه في ذاك السن..سن المراهقة..السن الذي يملؤه الحنين إلى كل شيء..إلى شيء لا يُدرَك كنهه..لكنك تشتاق إليه في عنف!

السن الذي تحلق فيه بعيدا..حيث بلاد السحر..حيث تتفتح وردات التفاح ويبدأ القوس قزح..

حيث تهاجر الطيور وحيث تنتهي وريقات وردة الكاردينيا التي ألقتها أناملك في النهر الجاري..

إنه السحر اللامتناهي..الذي يعيشه كل مراهق..

فلماذا حرم محمد من هذا السحر؟؟

ألأنه عرف حقيقة الموت منذ هذه السن؟؟

لقد قرر الاستغناء عن حياته .. في سبيل الله ..

.. ما يضيء دربه .. عبق دماء احبته ..في الله....

إنه مدرك أنه ميت لا محالة..مسألة وقت..يسلي بها نفسه في أمل الإنتقام!!


تنهد حين تذكر كل هذه الحقائق..وقال في نفسه:

((عيشي يا أم محمد...أمي..

ولا تحزني لفقدي يومئذ..لا تحزني إذا جئت في الصبح إلى غرفتي لتناديني إلى مائدة الإفطار فوجدتي سريري فارغا.. قد تناثرت عليه الورود السوداء..

لا تحزني يا حبيبتي إذا مددت قدميك إلى الكرسي الخشبي فلم تجدي شفتي المرتعشتين تلثمهما طلبا لرضاك..

لا تحزني..إذا نادوك بأم محمد..وتذكرتي بأن محمد قد رحل..

فأنا سأكون هناك...عند أبي وإخوتي..

نرفل بأثواب الشهادة..سأموت يا ماما..

صغيرك محمد سيموت..

سأكون هنا جثة مجهولة الهوية .. تسبح في بركة من دمائها..

وسأجد حولي الصحافيون يلتقطون صوري!!

يتسابقون لجمع أكبر عدد ممكن من صور الشهداء أمثالي..لتعرض صورنا كلوحات متحف مهمل في الأخبار..

متجاهلين أحلامنا الذهبية..قلوبنا الصغيرة..

ذكرياتنا المريرة..

متذكرين فقط أن هناك خبر جديد يجب أن ينشر!

أعداد جديدة يجب أن تضاف إلى ملايين الأرقام التي سبقتنا..أرقام الشهداء!!


رددي وأنشدي يا أمي كما كنا ننشد معا دوما...

أنشدي ذاك النشيد الذي أحبه أنا وتذكري لحظاتنا معا.....))


+_+_+_+_+_+_+_+_+

أرعبته الصورة المرعبة التي ارتسمت في خياله ..صورته وهو يذوق طعم الموت!!


رائحة البارود تملأ صدرك..

ووجهك على إسفلت الطريق..

تشم الدماء...وتعرف أنها دماؤك...


ترمق أظافر يدك وأنت تفكر...لن أراها بعد اليوم!!

فقد بدأت تفقد وعيك.....!


تعرف أن صلتك بهذا الجسد تتلاشى..وأنك حقا...تموت.....!!

أرعبته الصورة...فصار يبكي..ويقول:

صبرا جميلا..صبر أيوب..صبر بلال..

صبر الصحابة الذين عذبو...

صبر الشهداء السابقون...رحمتك يا رب...لماذا نحن؟؟

نظر إلى رفاقه..فرأى ملامح الهلع والرعب المرتسمة على وجوههم...

إلام تنظرون؟؟ كل منهم ينتظر الفرصة المناسبة لينقض على الذين قتلو أحبابه!!

كلا منهم حمل داخله أحلام المراهقة..وأحقاد الثكلاء...!

هؤلاء هم...ينتظرون المصير المحتوم..

مسألة وقت...لا أقل ولا أكثر...كلهم يدركون ذلك..

وكلا منهم يردد:

"ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله امواتا بل احياء عند ربهم يرزقون"

في لحظة..كلمح البصر..إنطلق كل شيء!!

راحت الطلقات تدوي..

نظر محمد إلى صدره..فوجد دمه يسيل بغزارة...عجبا...كيف يجرح الإنسان دون أن يتألم؟؟

رصاصة اخترقت صدره ولم يشعر هو بأي ألم..


سمع صراخ رفاقه..فعلم أنهم يتألمون..

الدماء..أصوات الرصاص..مذاق الدم..مئات المؤثرات سيتذكرها كلما...


كلما ماذا؟؟؟


لن يكون هناك زمن آخر..ولن يتذكر شيئا بعد الآن..

بدأ إحساسه بجسده يتلاشى..وعجبه من غياب الألم..يتلاشى...

عجبا..كم يشتاق الآن إلى حنان...يشتاق إلى نظراتها الدافئة.. ضحكاتها التي تداوي آلامه..

قلبها الحنون الذي سيبرئ كل الجروح..لكنها رحلت...

إلى عالم الشهداء..

وهو الآن على وشك الإلتحاق بها...وبمن أحب!!


كان الموت يزحف على أطرافه..كسحابة مظلمة تمر أمام ناطريه..


لم يعد يرى شيئا...

أتراه الموت؟؟

أسعدته الفكرة...فكرة الشهادة في سبيل الرحمن..

فقد كره العيش الذليل كالأموات..

وتمنى الموت كالأحياء..


"ولا تحسبن الذين قتلو في سبيل الله أمواتا"

تقبل موت احبته بصدر رحب .. انهم ينتظرونه


أحبته ممكن يشتاق إليهم......ينتظرونه!

ولقاء الخلد في تلك الرحاب!!

أسرته الفكرة إلى درجة التبسم..ثم الضحك..

لكن آلام صدره منعته من الضحك فتحولت ضحكته إلى آهة أطلقها الجسد المكدود..

لقد تلاشى الآن كل شيء..

تلاشى إحساسه بما حوله..وبدأ يدرك الحقيقة التي لم يعرفها أيا منا..

حقيقة الموت..

الحقيقة التي رحلت مع الذين رحلو..

الحقيقة التي لم يعد أيٌ ممن عرفها..ليخبرنا عن كنهها..

الموت...


رحل محمد...

رحل شهيدا....

رحل بلا عودة..

التحق بعالم المجهول..

عالم الموت!!

"بل أحياء...عند ربهم...يرزقون....."

ليست هناك تعليقات: