الأربعاء، 1 فبراير، 2006

خواطر طفل خرج ولم يعد...(قصة قصيرة)

((أخرج ولا تعد))

صرخة هادرة إنطلقت منه فحطمت ما بقي من أمل ضئيل داخلي..

كيف أخرج وأنت الذي قطعت لي كل طريق إلى الخروج؟؟؟ولماذا أخرج؟؟

ألأني طالبت بحقي كأي طفل في أن أعرف أمي؟؟

فقط أن أراها..هذا كل مطلبي...

((إذهب إليها ولا تعد..لست إبني ولا أعرفك..اغرب عن وجهي!!!)

قالها وهو يدفعني إلى الباب ويلفظني إلى الشارع...يلقي بي هناك..وسط الأمواج في بحر العالم الهائج الذي لا أعرف فيه شيئا.. أنهض وألتفت إليه..أركض لأعود إلى منزلي فأجد بابه قد أغلق دوني...

إنهمرت دموعي..أحسست بشيء يسقط داخل صدري..أنظر إليه..فإذا بقلادتي الصغيرة قد إنقطعت إثر سقطتي على الأرض...وانقسمت إلى جزأين...تلك القلادة التي تجمع في جزئيها بين صورتي أبي وأمي...القلادة التي تمثل حلمي منذ أن وعيت على الدنيا...حين أجمع جزئيها وأغلقها وأضمها إلى صدري..فأتخيل أنهما حقا قد إجتمعا..وعدنا أسرة واحدة....

يا إلهي..تحطمت القلادة..كيف أصلحها وما معي لا يكفي ليسد الجوع الذي يعتريني؟؟

لن آكل..فحلمي أهم من طعامي ومن حياتي حتى...وهذه القلادة يجب أن تعود وتجتمع أجزاؤها..سرت وأنا أضع يدي على بطني من وطأة الجوع..انتقل من محل لآخر..فأكتشف أن المبلغ الذي معي لا يكفي لإفساد ما أصلحته وقعتي على الأرض...ولكني لا أفقد الأمل...

سرت وأنا أفكر..أيمكن أن أجدها؟؟أن أعرفها وأعرف شكلها بعد تلك السنوات؟؟ ألم يعبث بها الزمن كما عبث بطفولتي وبرائتي؟؟ أمي التي حرمت من حنانها المتدفق وحضنها الدافئ..أيمكن أن تتحقق معجزتي التي أحلم بها؟؟ أين أذهب بعد أن طردني أبي؟؟ وأين يمكن أن ألقى أمي؟؟

قتلني التفكير وأنا أتنقل بين حوانيت المجوهرات..وأبحث عمن يمكن أن يصلح لي قلادتي ويكتفي بهذا المبلغ الضئيل..حتى ساقني القدر إلى حانوت صغير في ركن قصي من الشارع..

حملتني أقدامي الصغيرة المرتعشة من أثر الجوع إليه..

دخلت الحانوت ومددت يدي التي تحمل القلادة إلى البائع وسألته: كم تأخذ نظير إصلاحها؟؟

نظر الرجل بعين الأبوة إلى رعشتي وإلى طفولتي المنهكة وقال: لن آخذ شيئا..أعطني القلادة لأصلحها لك...!

نظرت غير مصدق إليه..رجل عجوز طيب...أين رأيته قبل ذا يا ترى؟؟ لماذا أشعر أنني أود أن أركض إليه وأحتضنه وألقي بهمومي في بحر حنانه المتدفق؟؟ ياللعجب!! نظرته إلي تحمل ذات التعبير وذات الإحساس..

كسرت تلك اللحظات إنحنائته ليضع القلادة على المنضدة ويذهب ليحضر عدته التي سيصلح بها القلادة..ثم أمسك القلادة بيده وفتحها..ونظر إلى الصورتين فيها لتنطلق منه شهقة أسقطت القلادة من يده فسارعت بإلتقاطها قبل أن تصل إلى الأرض!!!

نظرت إليه...ماذا حصل؟؟ سألني..من أين حصلت عليها؟؟ أجبته: وعيت على الدنيا وأنا أرتديها..لعل أمي قبل رحيلها أقلدتني إياها!

سألني: أخالد أنت؟؟

ياللعجب!! من أين يعرفني؟؟ أخذني بين أحضانه ودموعه تتساقط لتبلل ملابسي وتساؤلاتي..حفيدي..كم بحثنا عنك أنا وأمك....تعال معي لترى والدتك!

ياللصدفة!!! جدي؟؟ كيف؟؟ ومتى..و.......لم أعد قادرا على التفكير وأنا أسير ممسكا بيده مذهولا مما ساقته الأقدار إلي!!!

سرت خلفه حتى وصلت إلى منزل شعبي صغير أهراه الزمن..دخلت لأراها..تعم هي..حورية من حوريات الجنة هبطت إلى الأرض..أمي التي حلمت دوما بلقياها..ركضت إليها ودموعي تسبقني...نظرت إلي بحنان ودون أن تسألني عمن أكون قالت بصوت هده المرض: كنت أنتظرك..كنت أعلم أني سأغمض عيني على مرآك!!

لثمت يدها بشفتي ودموعي التي أغرقت وجهي...آآآه يا أمي..ما الذي جعلك طريحة الفراش هكذا؟؟

إبتسمت بصعوبة وهي تقول: أن تحرم الأم من أمومتها ودفء ظناها لهو الموت نفسه!!دعوت الله دوما أن أراك قبل موتي...وهاهو الله قد إستجاب لدعواتي..هلم يا حبيبي..إقترب لألثم خدك وأشعر بعودتك...

إقتربت منها وأخذت رأسها بين يدي..إمتدت يدها المرتجفة المنهكة إلى رأسي وداعبت خصلات شعري بين أصابعها الباردة المرتجفة...لثمت خدي بشفتين جافتين مرتعشتين..

كم كنت أتوق لقبلة حانية منك يا أمي....

يا الله..كم أنا سعيد أن وجدتك..لن أتركك بعد اليوم أبدا يا أمي..عهدا علي أقطعه أن أكون ظلك وروحك وأن أبقى دوما معك...

كانت كلماتي تنطلق وشفتيها ما زالت تتمرغ على خدي المبلل بالدموع...بقيت هكذا أتحدث وأبكي وأطلق وعودي دون أن ألتفت لسكون الرعشة التي كانت تعتري شفتيها.. دموعي تتساقط وتبلل شفتيها الجافتين..لم أشعر إلا ويدها التي كانت تتخلل خصلات شعري قد سقطت إلى جوارها..وخصلاتي تتناثر من بين تلك الأصابع الحانية!!! صوت نحيب جدي خلفي ونظرتي الذاهلة إلى عينها المفتوحة تنظر إلي ولكن بريق الحياة قد غادرها إلى الأبد...!!!

لااااااااا....أمي....حبيبتي....حلمي...لا ترحلي....لا تغادري.....لا تتركي الظل القاتل على جنبات روحي المعذبة...أبعد أن لقيتك وتحقق حلمي تغادرين؟؟ لم أنعم بك سوى لحظات..خطف بعدها الموت روحك..وخطف الألم والضياع روحي!!

بقيت مذهولا مصدوما وأنا أتابع إجراءات الغسل والكفن والدفن...دفن أمي!!!!

تلك اللحظات التي كان التراب ينهال فيها على جثمانها الطاهر..وتتسلل ذرات الغبار إلى صدري فتمزق نياط قلبي وتعذبني..تقتلني..تذبحني!!

دموعي المتحجرة في عيني الذاهلة..حتى إنتهت إجراءات الدفن وأحسست بيد جدي تلتقط كفي الصغيرة وصوته المعذب الذي يقطر ألما وحزنا: هلم يا بني..فلنكمل مسرة حياتنا..لنعد معا إلى المنزل...

إستسلمت يدي له وهو يقودني وعيني لا تفارق قبر أمي الذي يبتعد تدريجيا حتى إختفى في الأفق....

فجأة..أحسست ببركان يتفجر داخلي..صرخاتي تنطلق بلا وعي مني.. ويدي تفلت من كف جدي وأركض عائدا أدراجي إلى حيث قبر أمي..ألقي بجسدي المنهك الصغير عليه..وأنا أبكي بكل ما أوتيت من حزن متفجر وعذاب متألم..

مذاق الرمال المالحة يملأ فمي ووجهي مدفون هناك بين ذرات التراب..أبكي ألما وأصرخ..لماذا يا أمي رحلتي؟؟ أرجوكي لا تتركيني..أنا بحاجة إليكي..طفولتي تحتاج إلى رعايتك..

لقد وعدتك أن أكون لك ظلا وروحا..فسأعتكف هاهنا على قبرك حتى ألحق بروحك الطاهرة...

جسدي يرتجف بقوة..أنفاسي تتقطع ألما..صرخاتي تعلو ودموعي تغرق التراب الذي يعلو جثمان أمي..

تسللت دموعي عبر التربة حتى زصلت إلى جثمان أمي..فشعرت بيدها الدافئة الحنونة وهي تتحسس رأسي الصغير..ارتعاشتي تهدأ شيئا فشيئا..أنفاسي تتلاشى..صرخاتي تخفت والدموع تجف..ألتفت فإذا بأمي واقفة خلفي محاطة بالنور والضياء..تمد يدها إلى وتقول: هلم بنا..فأنا وأنت بتنا ظلان لا ينفصلان..أدير عيني فأرى قبرها ما زال قائما...لساني ثقيل ولا أستطيع الكلام...أسير بخفة مدهشة خلفها وألتفت ناظرا إلى قبرها فأجد جثماني يرقد هناك فوق القبر وقد فارقته الحياة..لحقت بك إذا يا أمي..لن أتركك بعد ذا أبدا..تحللنا من أجسادنا المادية وانطلقت أرواحنا لتلتقي هناك..في السماء...


أبي الحبيب....طلبت مني أن أخرج ولا أعود....


هاهو إبنك قد خرج....ولم يعد......................

ليست هناك تعليقات: